السيد محمد تقي المدرسي
329
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
غامضة تنقل عبر ألفاظ متشابهة ، فإذا اعترضت من هنا ، ادعوا أنهم إنما أرادوا معنىً آخر ، وأنك لم تفهم مقصودهم بالضبط ويعود هذا الغموض في الفلسفة إلى عاملين : أولًا : عدم وضوح الفكرة لأنها غير واقعية . إنك حين تريد وصف حيوان غير واقعي لم يخلقه الله تتحير كيف تصفه ، والسامع يحتار كيف يفهم وصفك ، وكذلك الفلسفة حين وصفت أفكاراً غير واقعية ، مثلًا حين يريدون إثبات أو حتى وصف هذه الحقيقة لك أن الله واحد في ثلاثة ، وثلاثة في واحد ، ( نظرية أفلوطين التي تسربت إلى الديانة المسيحية ) يحتارون كيف يصفونها لك ، وأنت بدورك لا تعرف كيف تستوعب وصفهم ! ثانياً : محاولة التوفيق بين أفكارهم الحقيقية وبين الآراء السائدة في مجتمعاتهم التي كانت في الأكثر دينية ، لذلك جاءت تعابيرهم تتحمل أكثر من معنى ، وقابلة للتفسير على أساس ديني وأيضاً على أساس فلسفي . ونحن إذ نريد أن ننقد آراءهم ، لابد أن نتجاوز هذا الغموض ونرفض التأويل ونلزمهم بالنتائج المنطقية لآرائهم حتى ولو لم يعترفوا بها ونناقش تلك النتائج بوضوح تام ! ونبدأ الحديث إن شاء الله بمناقشة أصل مبدأ الأزلية ، الذي يعتبر جوهر نظرية الفيض ، ثم نناقش ، بإذن الله ، الإضافات التي حاول المتأخرون إصلاح النظرية بها ! معنى الأزلية الحادثة ماذا تعني الأزلية الحادثة ؟ وكيف يمكن تصدر العالم حادثاً وهو قديم ؟ ولماذا يحتاج العالم القديم الذي لم يسبق وجوده العدم ، ولم يكن زمان يخلو عنه إلى خالق ؟ إن معرفتنا بالحاجة إلى الخالق ، هو تغيّر العالم الذي دلّنا على حدوثه ، وحدوثه دلّنا على حاجته إلى محدث وهو الله ، أما إذا استطعنا أن نفسر تغيره بصورة لا يحتاج إلى الحدوث ، أو فسرنا الحدوث بالقدم فلماذا الحاجة إلى إله محدث ؟ !